قداس لطلب إعلان قداسة الأخ اسطفان نعمه، كفيفان، 27-3-2026

عظة المطران منير خيرالله

في قداس لطلب إعلان قداسة الطوباوي اسطفان نعمه، دير كفيفان، 27/3/2026

 542

« للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد » (لوقا 4/8)

نلتقي اليوم في دير كفيفان، كما في اليوم السابع والعشرين من كل شهر، لنتأمل في حياة الطوباوي الأخ اسطفان نعمه ونتخذ منها أمثولة في التجرّد عن أمور الدنيا وممتلكاتها وفي العمل في الأرض التي قدّسها الرب يسوع المسيح ابن الله وابن الإنسان، ونسعى مثله إلى القداسة.

في إنجيل اليوم، وهو إنجيل الجمعة الأخيرة من جمعات الصوم قبل الدخول في أسبوع الآلام، تدعونا الكنيسة إلى التأمل في التجارب التي تعرّض لها يسوع على يد إبليس بعد أن صام أربعين يومًا في البرّية بعيدًا عن العالم؛ وهي: تجربة خبز الحياة اليومية، تجربة ممتلكات هذه الدنيا، تجربة السلطة.

انتصر يسوع على هذه التجارب وأعاد إبليس، ويعيدنا نحن أيضًا، إلى يوم خلقنا الله على صورته كمثاله، فنعرف أن لدينا إلهًا واحدًا نعبده ونؤدي له السجود؛ وكل ما عدا ذلك في هذه الدنيا لا نملك منه شيئًا ولا نأخذ معنا منه شيئًا عندما نلاقي ربّ الحياة.

هذا ما عاشه الأخ اسطفان في الدير متجردًا عن الدنيا ومتفرغًا لتقديس ذاته بعيش الروحانية النسكية التي وضعها القديس مارون وتبنّاها البطريرك الأول يوحنا مارون واتّبعها تلاميذه في كنيسة أصبحت اليوم منتشرة في العالم. وهي روحانية العلاقة العمودية مع الله بالصلاة والصوم والتأمل بكلمة الله والعلاقة الأفقية في الانفتاح على الناس والعمل في الأرض.

عرف الأخ اسطفان، وهو لا يزال شابًا في أول العمر، الحرب العالمية الأولى حيث كان شعبه يتعرّض للاضطهاد والمجاعة والموت وبقي ثابتًا في إيمانه بالله وصامدًا في أرضه ومتمسّكًا بالقيم المسيحية والإنسانية. وتقدّس الأخ اسطفان في عيشه الروحانية النسكية وسعى إلى تقديس شعبه بالصلاة معه ودعوته إلى العودة إلى الله وإلى وضع رجائه بالرب يسوع المسيح المخلّص الوحيد. وكان قد تقدّس قبله الحرديني وشربل ورفقا وهم يعيشون مأساة شعبهم في حرب 1840-1860 في الاضطهادات والمجازر والتهجير، ويدعونه إلى التوبة والعودة إلى الله وإلى المحبة والمصالحة والمغفرة. وكانوا بذلك يتشبّهون بالرب يسوع المسيح الذي غفر لصالبيه ودعا، في وصية واحدة، إلى المحبة قائلاً: « أحبوا بعضكم بعضًا كما أنا أحببتكم... وإذا أحببتم بعضكم بعضًا يعرف العالم أنكم حقًا تلاميذي ».

نحن اليوم، ومنذ خمسين سنة، نعيش في حرب متنقّلة ودامية ومدمّرة ونغذي روح العنف والكراهية والانتقام بين بعضنا البعض وبيننا وبين غيرنا من الشعوب التي جاءت تخوض الحروب لتصفية حسابات سياسية على أرضنا، وهي أرض مقدسة ووقف لله.

إنها تجارب نتعرّض لها اليوم، كما تعرّض لها الرب يسوع المسيح وجميع من تبعوه من قديسينا وشهدائنا؛ وهي تجارب السعي وراء خبز الحياة اليومية، ووراء ممتلكات الدنيا، ووراء السلطة، بأي ثمن وأحيانًا على حساب قيمنا المسيحية.

ما هو موقفنا إذًا في مواجهة هذه التجارب ؟

وقبل الدخول في أسبوع الآلام لنحمل صليبنا مع المسيح في مسيرة جلجلة نحو الموت عن هذه الدنيا لنستحق معه القيامة إلى حياة جديدة، نحن مدعوون اليوم إلى فحص ضمير وفعل توبة وطلب المغفرة من الله، فنكون صوتًا يدعو إلى المحبة والمصالحة والسلام.

يقول القديس بولس: « لا تعتبروا الآخر عدوًا لكم. فلا يكنْ لكم عدوّ في هذه الدنيا ».

نعم، نحن المسيحيين، ليس لنا أعداء، ونعتبر الجميع أخوة لنا.

قد يكون هذا التحدي صعبًا في مواجهة ما نتعرّض له في عالم يدعو إلى التسلّح والحرب والانتقام ويستعمل لغة التحريض والتهديد.

نحن نرفض هذه الدعوة وننبذ كل من يدعو إليها. هذه ليست لغتنا كمسيحيين، وليست قيمنا المسيحية ولا التزامنا المسيحي بكرامة الإنسان. يجب أن نفهم أنه لا خيار لنا إلا أن نعود إلى الله تأئبين؛ فجميعنا ومن دون استثناء ولا تمييز، نحتاج إلى توبة. فنعود إلى بعضنا البعض، ونفتح قلوبنا لبعضنا البعض، ونتحاور بمحبة وصراحة، ونتوحّد. فلا خلاص لنا إلا بالمسيح الذي دعانا إلى أن نكون واحدًا ونحبّ بعضنا بعضًا مهما قست علينا الظروف.

من هنا، من دير القديسين، أتوجه إلى اخوتي اللبنانيين، جميع اللبنانيين، وبخاصة إلى المسؤولين من كل الأفرقاء ومن كل الانتماءات، لأقول لهم: أوقفوا الحرب الكلامية أولاً، أوقفوا التعامل بلغة الحقد والتحريض والتهديد، أخرجوا الكراهية من قلوبكم، ابتعدوا عن الدعوة إلى الانتقام. هذه ليست من قيمنا كمسيحيين وكلبنانيين. فلنسعَ إلى أن نكون أوفياء لوصية المسيح. ولنسعَ إلى أن نتقدس لنقدّس شعبنا.

دعونا نتخلّى عن التمييز، إلا بالحرية والكرامة، بين أبناء الطوائف والأحزاب؛ وليكن لنا انتماءٌ واحد، انتماء لإلهنا الواحد، الذي هو إلهنا جميعًا، مسيحيين ومسلمين ويهودًا، إله المحبة المطلقة والرحمة التي لا حدود لها، وإله المغفرة.

وليكن لنا انتماء واحد للبنان، الوطن الرسالة، رسالة الله على الأرض.

تعالوا نشهد لهذه الرسالة الفريدة والمميزة في عيشنا معًا ونبني بها مستقبلاً لأولادنا في ما رسمه الرب يسوع لنا على الأرض التي قدَّسها. إنهم يستحقون أن يعيشوا عليها بحرية وأمان وسلام.

الأخ اسطفان نعمه، الذي نتمنى أن تعلن قداسته قريبًا، يدعونا، كما يدعونا جميع قديسينا والعذراء مريم سيدة لبنان، إلى التجرّد عن أمور هذه الدنيا ورفض تجارب إبليس، واتّباع المسيح لنحمل معه الصليب ونستحق معه القيامة إلى حياة جديدة

ولنتذكّر ما قاله لنا قداسة البابا لاون الرابع عشر في خلال زيارته إلى لبنان منذ أربعة أشهر: « أنتم شعب لا يستسلم. أنتم شعب يعرف أن يولد كل يوم من جديد، لأنه شعب الرجاء ».  

Photo Gallery